الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
115
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وعاجز أمام خلق الله ، وسيندمون حتما أمام الله سبحانه وتعالى ، وذلك هو المصير المشؤوم الذي انتهى إليه مشركو مكة . هذه الآية في الحقيقة تريد القول بأنهم لم يكتفوا فقط بالابتعاد عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل إنهم استعانوا بكل قدرتهم واستطاعتهم لأجل إنزال ضربة قوية به وبدعوته ، والسبب في كل ذلك لم يكن سوى الكبر والغرور وعدم الرضوخ للحق . ختام الآية تهديد لتلك المجموعة المستكبرة الماكرة والخائنة ، وبجملة عميقة المعنى وبكلمات تهز المشاعر ، يقول تعالى : فهل ينظرون إلا سنة الأولين ( 1 ) . هذه الجملة القصيرة تشير إلى جميع المصائر المشؤومة التي أحاقت بالأقوام السالفة كقوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم فرعون ، حيث أصاب كلا منهم بلاء عظيم ، والقرآن الكريم أشار مرارا إلى جوانب من مصائر هؤلاء الأقوام المشؤومة والأليمة . وهنا وبتلك الجملة القصيرة جسد جميع ذلك أمام بصيرة تلك الفئة في مكة . ثم تضيف الآية لزيادة التأكيد قائلة : فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا . فكيف يمكن لله سبحانه وتعالى أن يعاقب قوما على أعمال معينة ، ثم لا يعاقب غيرهم الذين يسلكون نفس سلوكهم ؟ أليس هو العدل الحكيم ، وكل ما يفعله بناء على حكمة وعدل تامين ؟ ! فإن تغيير السنن يمكن تصوره بالنسبة إلى من يمتلك إطلاعا أو معرفة محدودة ، إذ يزداد معرفة بمرور الزمان يعرض عن سنة سابقة ، أو يكون الإنسان عالما ، إلا أنه لا يتصرف طبقا للحكمة والعدالة ، بل طبقا لميول خاصة في نفسه ، ولكن الله سبحانه وتعالى منزه عن جميع تلك الأمور ، وسنته حاكمة على من يأتي كما كانت تحكم من مضى ، ولا تقبل التغيير أبدا .
--> 1 - " نظر " و " انتظار " تأتي أحيانا لتشير إلى نفس المعنى . كما يقول الراغب .